كي لسترنج
3
بلدان الخلافة الشرقية
عني المؤرخون المسلمون الأقدمون عناية كبيرة بوضع التصانيف البلدانية : من معجمات ورحلات ومسالك وخطط وخوارط ومصورات ، تناولوا فيها بالوصف والتخطيط أقاليم العالم المعروف في أيامهم . فلم يدعوا شاردة ولا واردة وقعت إليهم بالمشاهدة والمعاينة أو بالسماع والنقل الا دوّنوها في أسفارهم . فخلّفوا لنا بذلك ثروة علمية ثمينة صارت مرجعا أساسيا لمن يبحث في جغرافيا البلاد الاسلامية وغيرها ، من الوجهة العمرانية والتاريخية والاقتصادية والخططية . ولا ريب في أن عناية الأولين بهذه الموضوعات ، كابن حوقل وابن خرداذبه والمقدسي والاصطخري وياقوت ، انما كانت صفحة من صفحات النهضة العلمية التي ازدهرت منذ صدر الدولة العباسية . وإلى أولئك المصنفين الثقات الذين كتبوا بالعربية ، ولا يتعدى ز منهم في الغالب المئة التاسعة للهجرة ( المئة الخامسة عشرة للميلاد ) ، نجد جماعة ممن كتب بالفارسية والتركية . وبعض ما كتبه هؤلاء مستمد من المصادر العربية وبعضه من زياداتهم . وتصانيفهم هذه لا يستغنى عنها الباحث في الجغرافيا التاريخية للاقطار الاسلامية ، ولا سيما ما تأخر ز منه عن أولئك المصنفين الأولين . وأشهرهم الحاج خليفة وأبو الغازي . وحين بدأ اهتمام الغربيين ببلاد الشرق - ومبعث ذلك أسباب كثيرة مختلفة - ، رأينا منهم من قصد هذه الديار مستطلعا حال بلدانها وآثارها دارسا لغاتها وتاريخها . فصنفوا في ذلك الكتب وكتبوا المقالات ووضعوا الخوارط . ومنهم من وجه همه إلى مخلفات أولئك المصنفين الأقدمين ، فأقبلوا عليها يتدارسونها ، وكانت يومذاك مخطوطات تفرق شملها في خزائن كتب العالم ، ويحققونها وينشرونها بالطبع وينقلون بعضها إلى لغاتهم . ومنهم من انصرف إلى التأليف في الجغرافيا التاريخية